في بلد يُعرف بالجفاف، يصبح المطر حدثاً. تتناقل الهواتف صور الأودية الجارية، ويخرج الناس إلى البر بعد أول زخة، ويتحدث كبار السن عن "سنة الربيع" و"سنة المحل". لكن المطر في المملكة ليس موسماً واحداً، بل مواسم متعددة تختلف باختلاف المنطقة: فما يكون موسم مطر في نجد قد يكون موسم جفاف في عسير، والعكس.
في هذا المقال نتتبع مواسم المطر في المملكة بالأرقام، اعتماداً على متوسطات خمس وعشرين مدينة محسوبة من بيانات ERA5 للفترة 2015–2024، ونربطها بما يعرفه الموروث الشعبي عن الوسم والسرايات. والهدف أن يعرف القارئ متى يتوقع المطر في كل منطقة، ولماذا تختلف حالة الطقس بين الشمال والجنوب في الشهر نفسه.
نمطان كبيران للمطر
إذا نظرنا إلى المدن الخمس والعشرين معاً، يظهر نمطان واضحان. الأول في الشمال والوسط والشرق: مطر قليل يأتي بين الخريف والربيع، ويكاد ينعدم في الصيف. والثاني في المرتفعات الجنوبية الغربية: مطر أغزر يتركز في الربيع والصيف. وبين النمطين مدن انتقالية تجمع شيئاً من الاثنين.
وتذكر موسوعة سعوديبيديا أن أبها من أكثر المدن في معدل هطول الأمطار صيفاً، وأن الأجزاء الصحراوية في الربع الخالي هي الأقل في معدل الأمطار. وهذان الطرفان يحددان مدى التنوع في المملكة.
الشمال والوسط: من الوسم إلى الربيع
في الرياض، أغزر شهور المطر في البيانات هو نوفمبر، ومجموع المطر في نوفمبر نحو 10.6 ملم، وفي مارس 9.3 ملم، وفي أبريل 9.6 ملم، بينما يكاد يكون صفراً من يونيو إلى سبتمبر. وفي حائل يبرز نوفمبر بوضوح أكبر، إذ يبلغ متوسط مطره 28.2 ملم، وهو أغزر شهور السنة فيها. وفي بريدة أغزر الشهور نوفمبر.
وهذا النمط يتفق مع الموروث الشعبي اتفاقاً لافتاً. فموسم الوسم، الذي يبدأ في منتصف أكتوبر ويمتد إلى أوائل ديسمبر، هو عند أهل نجد والشمال موسم المطر المنتظر الذي ينبت العشب والفقع. ويصف الباحث عبدالعزيز الحصيني منزلة الغفر، ثالثة منازل الوسم، بأن مطرها غزير إذا نزل وينبت فيه الفقع. والأرقام تقول إن نوفمبر، قلب الوسم، من أغزر شهور السنة في حائل والرياض وبريدة.
ثم يأتي الربيع بأمطاره الرعدية. يقول الحصيني إن موسم "المراويح"، المعروف بسحبه الرعدية الممطرة، يبدأ مع الحميمين في أواخر مارس. ويشرح إبراهيم الجروان، رئيس جمعية الإمارات للفلك، أن "السرايات" الربيعية تنشأ من تصادم كتل هوائية دافئة رطبة وباردة جافة فوق الجزيرة، فتنتج اضطرابات قد يصاحبها مطر مفاجئ ورعد وبرق وأحياناً برد. وهذه الأمطار هي التي تصنع في الذاكرة صورة الأودية الجارية في أبريل.
المرتفعات الجنوبية الغربية: مطر الصيف
على جبال عسير والباحة ينقلب النمط. في أبها، أغزر الشهور في البيانات هو أغسطس، وفي الباحة أغسطس، وفي خميس مشيط أغسطس. فالمطر هنا يأتي حين يجف الشمال تماماً.
لكن هذه المنطقة بالذات تحتاج حذراً في قراءة الأرقام. فبيانات إعادة التحليل ERA5 تقدر مجموع المطر السنوي في أبها بنحو 758 ملم، بينما وجدت دراسة منشورة عن محطة أبها للفترة 1978–2014 أن متوسط المطر السنوي فيها نحو 254 ملم، وفي محطة خميس مشيط نحو 179 ملم. الفرق كبير، وسببه أن نماذج إعادة التحليل تجد صعوبة في تمثيل المطر في التضاريس الجبلية المعقدة. فالنمط الموسمي، أي أن الصيف والربيع أمطر من الشتاء، صحيح، لكن المجاميع الحقيقية أقل بكثير من أرقام ERA5.
ومن يتابع طقس أبها في الصيف يلاحظ النمط اليومي لهذا المطر: صباح صافٍ غالباً، ثم سحب ركامية تتكون مع تسخين النهار، وعواصف رعدية بعد الظهر أو في المساء.
الساحلان: مطر نادر
جدة على البحر الأحمر من أقل المدن الكبرى مطراً. مجموعها السنوي في البيانات نحو 57 ملم، وأغزر شهورها نوفمبر. فالمطر في جدة يأتي غالباً بين نوفمبر ويناير، ويكاد ينعدم في باقي السنة. لكن ندرته لا تعني ضعف أثره، فالمطر الغزير في وقت قصير على مدينة ساحلية منبسطة قد يسبب تجمعات مياه واسعة.
وعلى الخليج العربي، الدمام مجموعها السنوي نحو 72 ملم، وأغزر شهورها نوفمبر، أي أنها تتبع نمط الشمال والوسط في توقيت المطر.
أما جازان في أقصى الجنوب الغربي فتجمع بين الساحل والجبل. مجموعها السنوي في البيانات نحو 136 ملم وأغزر شهورها أغسطس، وهي تتأثر بأمطار الجبال المحيطة بها أكثر من مدن الساحل الأخرى.
لماذا يختلف التوقيت
الاختلاف في توقيت المطر بين الشمال والجنوب الغربي يعود في جوهره إلى نوع الأنظمة الجوية. في الشتاء والربيع، تصل إلى شمال الجزيرة ووسطها منخفضات وأنظمة قادمة من الغرب والشمال، وتتفاعل مع الهواء الرطب فتنتج المطر. أما في الصيف فتبتعد هذه الأنظمة، ويسيطر على أغلب المملكة هواء حار جاف، بينما تصل إلى الجنوب الغربي رطوبة من الجنوب تصعد على سفوح الجبال فتتكثف وتمطر.
وهذا ما يفسر أن الجبال نفسها هي مفتاح المطر في الجنوب الغربي: الهواء الرطب حين يُجبر على الصعود يبرد، والهواء البارد لا يحمل الرطوبة نفسها فتتكون السحب. ولهذا يكون المطر على القمم والسفوح الغربية أغزر منه في المناطق المنخفضة المجاورة.
سنوات المطر وسنوات المحل
المتوسطات تخفي حقيقة يعرفها أهل الجزيرة جيداً: المطر يختلف كثيراً من سنة إلى أخرى. حسبنا مجموع المطر في نافذة موسم الوسم (من 16 أكتوبر لمدة 52 يوماً) لكل سنة من 2015 إلى 2024، فوجدنا أن متوسطه في الرياض 11.4 ملم، لكن أغزر وسم في الفترة كان في 2016 بمجموع 30.1 ملم. وفي حائل كان متوسط الوسم 36.7 ملم، وأغزره في 2018 بمجموع 112.7 ملم.
هذا التفاوت هو ما يفسر تعلق الناس بالوسم وترقبهم له: فالفرق بين سنة وأخرى ليس فرقاً صغيراً، بل قد يكون الفرق بين ربيع وافر وأرض جرداء. وهو ما جعل أهل البادية يسمون السنين بأحوال مطرها، "سنة الربيع" و"سنة المحل".
المطر والسيول: ما يجب معرفته
قلة المطر في المملكة لا تعني أنه غير خطر. فالأرض الجافة الصلبة لا تمتص الماء بسرعة، والأودية التي تبقى جافة أشهراً قد تجري فجأة بسيل قوي من مطر هطل على مسافة بعيدة. ولهذا تتكرر تحذيرات الجهات المختصة من التخييم في بطون الأودية ومن عبور المجاري الجارية، وهي تحذيرات مبنية على حوادث حقيقية.
- في مواسم المطر، لا تخيّم في بطن الوادي ولا قرب مجاريه.
- لا تعبر وادياً جارياً بالسيارة مهما بدا الماء ضحلاً.
- السيل قد يأتي من مطر هطل على الجبال البعيدة والسماء فوقك صافية.
- تابع تنبيهات المركز الوطني للأرصاد والدفاع المدني في أيام الحالات المطرية.
جدول مختصر: متى تمطر كل منطقة
| الإقليم | موسم المطر الرئيسي | مثال من المدن |
|---|---|---|
| الشمال | الخريف (الوسم) والشتاء ثم الربيع | حائل، عرعر، سكاكا |
| الوسط (نجد) | من نوفمبر إلى أبريل | الرياض، بريدة |
| الساحل الشرقي | من نوفمبر إلى أبريل | الدمام، الجبيل، الهفوف |
| الساحل الغربي | من نوفمبر إلى يناير | جدة، ينبع |
| المرتفعات الجنوبية الغربية | الربيع والصيف | أبها، الباحة، خميس مشيط |
الجدول تلخيص للأنماط التي تظهرها المتوسطات الشهرية في دليل مناخ المدن.
خلاصة
المطر في المملكة قليل لكنه منظم في مواسم يعرفها الموروث منذ زمن: الوسم في الخريف لنجد والشمال، والسرايات في الربيع، وأمطار الصيف لجبال الجنوب الغربي. والأرقام الحديثة تؤكد هذا التقسيم، مع تحفظ واحد مهم: في الجبال، المجاميع الحقيقية أقل مما تقوله نماذج إعادة التحليل، والنمط أهم من الرقم.
المصادر
- مناخ السعودية، سعوديبيديا (وزارة الإعلام)
- Rainfall Variability in Asir Area – Abha and Khamis Mushait Stations (1978-2014)، المجلة المصرية للتغير البيئي
- الحصيني: بدء موسم الحميمين وبداية الاعتدال الربيعي وموسم المراويح، صحيفة سبق، 19 مارس 2026
- «كنة الثريا» يبدأ الثلاثاء في الجزيرة العربية، صحيفة الخليج نقلاً عن وام، 27 أبريل 2025
- «الحصيني» يعدِّد خصائص نجم «الغفر»، صحيفة عاجل، 11 نوفمبر 2020