يعرف أهل الجزيرة العربية الغبار كما يعرفون الحر. يأتي أحياناً كجدار بني يتقدم نحو المدينة، وأحياناً كضباب ترابي خفيف يغطي الشمس أياماً. وله في الكلام الشعبي أسماء كثيرة: العجاج، والطوز، والبوارح. وفي العقود الأخيرة صار موضوعاً لدراسات علمية تحاول أن تجيب عن أسئلة بسيطة: متى يكثر الغبار؟ وأين؟ ولماذا؟
في هذا المقال نجمع ما تقوله هذه الدراسات، ونربطه بالموروث الشعبي عن رياح الصيف، وننتهي بنصائح عملية لمن يعيش في المملكة أو يزورها. فمعرفة حالة الطقس قبل الخروج في أيام الغبار ليست ترفاً، بل وقاية.
الربيع: ذروة العواصف الغبارية
في عام 2019 نشرت مجلة Geosciences دراسة لباحثين من جامعات بريطانية حللت بيانات 27 محطة رصد سعودية للفترة من 2000 إلى 2016. ووجدت الدراسة أن العواصف الغبارية في المملكة تبلغ ذروتها في الربيع، وأن حدوثها يرتبط ارتباطاً إحصائياً واضحاً بسرعة الرياح واتجاهها وبالمطر، بينما لم تجد علاقة واضحة مع درجة الحرارة.
وهذه النتيجة قد تبدو غريبة لمن يظن أن الحر هو سبب الغبار. لكنها منطقية: الغبار يحتاج أولاً إلى رياح قوية تثيره من سطح جاف مفكك، والربيع في الجزيرة فصل الأنظمة الجوية المتقلبة والرياح النشطة، قبل أن يستقر الصيف. وحين تنشط العواصف الرعدية الربيعية، تسبقها في الغالب رياح عاصفة مثيرة للغبار، وهو ما يذكره الباحث عبدالعزيز الحصيني في حديثه عن أمطار الكنة.
المنطقة الشرقية: الأكثر تأثراً
ووجدت الدراسة نفسها أن المنطقة الشرقية هي الأكثر تسجيلاً للعواصف الغبارية في المملكة، وأن نشاطها ازداد مع الوقت خصوصاً في المنطقة القريبة من الأحساء. وأشارت إلى اتجاه متزايد في جدة غرباً، واتجاه متناقص في حائل والقيصومة شمالاً.
والمنطقة الشرقية معرضة لرياح شمالية وشمالية غربية تعبر مساحات صحراوية واسعة قبل أن تصل إليها، فتحمل معها الغبار. وفي بيانات ERA5 التي نستخدمها في samx، يبلغ متوسط أقصى سرعة يومية للرياح في الهفوف في يونيو 25.4 كم/س، وفي الدمام 26.7 كم/س، مقابل 27 كم/س في جدة. ومن يتابع طقس الهفوف في أوائل الصيف يعرف أن الأيام المغبرة فيها ليست نادرة.
البوارح: رياح الصيف الشمالية
للموروث الشعبي اسم خاص لرياح الصيف المغبرة: البوارح. يذكر الباحث نزيه الحيزان أن البوارح رياح شمالية غربية محملة بالغبار والأتربة، مستمرة وغير مستقرة، تبدأ في آخر نوء الذراعين ويمتد موسمها من أواخر أبريل إلى منتصف يوليو. ويذكر إبراهيم الجروان، رئيس جمعية الإمارات للفلك، أن موسم الكنة يشهد نشاط البوارح وتشكل الموجات الغبارية التي تسمى "الطوز".
ويقدم أستاذ المناخ الدكتور عبدالله المسند معلومة إحصائية مهمة: أن رياح البوارح الشمالية المثيرة للعواصف الرملية تزداد خلال "مربعانية الصيف" في المنطقة الشرقية خصوصاً، وتبلغ أوجها في النصف الثاني من يونيو. ويشرح أن البوارح النشطة تنتهي عادة خلال أغسطس، لأن منخفضاً جوياً يتشكل وسط المملكة فيضعف الرياح الشمالية.
الأنظمة الجوية وراء الغبار
في عام 2015 نشر فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة يوانينا اليونانية، وبمشاركة جامعة ألاباما في هنتسفيل الأمريكية، دراسة في مجلة Monthly Weather Review حللت 177 حالة غبار شديد خلال اثنتي عشرة سنة في موقع القرية الشمسية قرب الرياض. وعرّفت الدراسة الحالة الغبارية بأنها التي يحجب فيها الغبار ربع الإشعاع الشمسي على الأقل.
ووجد الفريق أنماطاً متكررة في الضغط الجوي تسبق العواصف الغبارية، وحدد أربعة أنماط موسمية تسهم في العواصف في أوقات مختلفة من السنة. ومن أبرزها نمط صيفي يجمع مرتفعاً جوياً يمتد شرقاً من الأزور فوق شمال أفريقيا، ومنخفضاً موسمياً فوق الهند يمتد غرباً نحو الشرق الأوسط، وهو ما يولّد الرياح الشمالية القوية المعروفة محلياً بالشمال. وتقول الجامعة إن هذه الأنماط الموسمية سبقت 80 بالمئة من العواصف الغبارية في منطقة الدراسة.
وفي جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، أنتج باحثون قاعدة بيانات تعتمد على الأقمار الصناعية تكشف ديناميكية تكون العواصف الغبارية وحركتها في الجزيرة العربية خلال العقد الماضي، وربطت تحليلاتها بين حدوث الحالات الغبارية الشديدة والظروف الجوية الإقليمية، وهو ما قد يساعد في تحسين التنبؤات الجوية ونماذج جودة الهواء.
الرياح بالأرقام
بيانات ERA5 لا تقيس الغبار مباشرة، لكنها تقيس الرياح، وهي العامل الأول في إثارته. وفي الرياض يبلغ متوسط أقصى سرعة يومية للرياح 23.3 كم/س في مارس و22.5 في يوليو، مقابل 16.8 في أكتوبر و17.5 في ديسمبر. أي أن الربيع وأوائل الصيف أكثر رياحاً من الخريف وأوائل الشتاء، وهو ما يتفق مع ذروة الغبار الربيعية التي وجدتها الدراسة.
وفي الدمام يبلغ متوسط أقصى سرعة يومية للرياح في يونيو 26.7 كم/س، وهو أعلى قيمها في السنة، مقابل 20 في أكتوبر. وهذا يتفق مع ما يذكره الدكتور عبدالله المسند عن بلوغ البوارح أوجها في النصف الثاني من يونيو في المنطقة الشرقية. وأعلى هبة رياح ظهرت في بيانات الدمام لشهر يونيو خلال الفترة بلغت 70.6 كم/س.
والرطوبة تلعب دوراً معاكساً: فالأرض الرطبة بعد المطر أقل قابلية لإطلاق الغبار. ولهذا تكون أيام ما بعد الأمطار في الشتاء صافية في الغالب، بينما تكون التربة في أواخر الربيع وأوائل الصيف قد جفت تماماً، وصارت جاهزة لأي رياح نشطة.
الغبار والصحة
الغبار ليس مجرد إزعاج بصري. فالجسيمات الدقيقة المحمولة في الهواء تصل إلى الجهاز التنفسي، وتؤثر خصوصاً في مرضى الربو والحساسية وأمراض القلب والرئة، وفي الأطفال وكبار السن. ولهذا تصدر الجهات الصحية في أيام الغبار نصائح بتقليل الخروج واستخدام الكمامات.
ومن الطريف أن الموروث الشعبي ربط بعض المواسم بكثرة أمراض الصدر والحساسية، كما يذكر الحصيني عن موسم الحميمين الذي تكثر فيه التقلبات الجوية والرياح المغبرة. فالملاحظة الشعبية سبقت الدراسات في الربط بين الطقس المتقلب والأمراض التنفسية.
نصائح لأيام الغبار
- تابع التنبيهات الرسمية للمركز الوطني للأرصاد، فهو يصدر تحذيرات من الرياح النشطة المثيرة للأتربة وانخفاض مدى الرؤية.
- في أيام الغبار الكثيف، أجّل الأنشطة الخارجية والرحلات البرية، وأغلق النوافذ.
- من يعاني من الربو أو الحساسية يحمل دواءه دائماً، ويستخدم كمامة مناسبة عند الخروج.
- على الطرق السريعة، الغبار قد يخفض الرؤية فجأة إلى أمتار. خفف السرعة، وشغّل الأضواء المناسبة، وزد المسافة مع السيارة الأمامية، ولا تتوقف على مسار الطريق.
- في البر، إذا اقتربت عاصفة غبارية، ابحث عن مكان آمن واحتمِ داخل السيارة بنوافذ مغلقة حتى تمر.
جدول مختصر
| الفترة | ما يحدث | المصدر |
|---|---|---|
| الربيع | ذروة العواصف الغبارية في المملكة، مرتبطة بالرياح النشطة | دراسة 27 محطة، 2000–2016 |
| أواخر أبريل إلى منتصف يوليو | موسم البوارح الشمالية الغربية المغبرة | نزيه الحيزان |
| النصف الثاني من يونيو | أوج البوارح في المنطقة الشرقية | د. عبدالله المسند |
| أغسطس | انتهاء البوارح النشطة عادة | د. عبدالله المسند |
خلاصة
الغبار في المملكة ليس عشوائياً. يبلغ ذروته في الربيع حين تنشط الرياح، ويشتد في المنطقة الشرقية أكثر من غيرها، ويأخذ في أوائل الصيف شكل البوارح الشمالية التي عرفها الأولون بالاسم والموعد. والدراسات الحديثة لم تنقض هذا الموروث، بل أضافت إليه فهماً للأنظمة الجوية التي تقف وراءه، وأدوات لرصده والتنبؤ به.
المصادر
- Albugami et al., Spatial and temporal variations in the incidence of dust storms in Saudi Arabia revealed from in situ observations، Geosciences، 2019
- Powerful pressure systems may stir desert sand storms، جامعة ألاباما في هنتسفيل، 1 يونيو 2015
- «المسند»: مربعانية الصيف تبدأ في 7 يونيو وتستمرّ لمدة 40 يومًا، صحيفة سبق، 6 يونيو 2024
- يبدأ اليوم.. «الحيزان» يوضح خصائص نوء «الذراعين»، صحيفة عاجل، 16 أبريل 2022
- «كنة الثريا» يبدأ الثلاثاء في الجزيرة العربية، صحيفة الخليج نقلاً عن وام، 27 أبريل 2025
- A fine-grained view of dust storms، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، 7 مارس 2021